العلامة الحلي

8

نهاية المرام في علم الكلام

الدخان تكوّنت السماء . ويقال : إنّه أخذه من التوراة ؛ لأنّه جاء في السفر الأوّل منه « 1 » : « إنّ اللّه تعالى خلق جوهرا ، فنظر [ إليه ] نظرة الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء ، ثمّ ارتفع [ منه ] بخار كالدخان فخلق منه السماوات ، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض ، ثمّ أرساها بالجبال » . ونقل صاحب الملل عن تاليس الملطي أنّه قال : إنّ المبدأ الأوّل أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والعدمات كلّها ، فانبعث من كلّ صورة موجود في العالم على المثال الذي في العنصر الأوّل فحمل الصور ومنبع الموجودات هو ذات العنصر . وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسّي إلّا وفي ذات العنصر صورة ومثال عنه . قال : ويتصوّر العامة أنّ صور المعدومات في ذات المبدأ الأوّل ، لا بل هي في مبدعة ، وهو تعالى بوحدانيته أن يوصف بما يوصف به مبدعة . ثمّ قال : ومن العجب أنّه نقل عنه : المبدع الأوّل هو « الماء » ومنه ابدع الجواهر كلّها من السماء والأرض وما بينهما ؛ فذكر أنّ من جموده تكوّنت الأرض ، ومن انحلاله تكوّن الهواء ومن صفوة الهواء تكوّنت النار ، ومن الدخان والأبخرة تكوّنت السماء ، ومن الاشتغال الحاصل من الأثير تكوّنت الكواكب فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل فيها إليه .

--> ( 1 ) . ما وجدنا العبارة في السفر الأوّل ولا في بقية الأسفار من التوراة وقد يعبّر الفارابي عن هذه الأقوال بالأعاجيب ، حيث قال في باب حدوث العالم : « ومن أحبّ الوقوف على ذلك فلينظر في الكتب المصنفة في المبدءات والأخبار المروية فيها والآثار المحكية عن قدمائهم ، ليرى الأعاجيب من قولهم بانّه كان في الأصل ماء فتحرك واجتمع زبد وانعقد منه الأرض وارتفع منه الدخان وانتظم منه السماء » ، الجمع بين رأيي الحكيمين : 103 .